سورة الملك هي السورة السابعة والستون في ترتيب المصحف، مكية، وعدد آياتها ثلاثون، وسُمّيت بأول كلمة فيها: ﴿تَبَارَكَ﴾، ومضمون هذه الكلمة هو محور السورة كلها: أن المُلك، أي السلطان والتصرف في الكون كله، بيد الله وحده. وفيها حديث واحد ثابت بدرجة حسن يذكر أنها تشفع لصاحبها حتى يُغفر له. فيما يلي نصّها كاملًا، وأبرز معانيها، والحديث الوارد في فضلها.
أبرز موضوعات السورة
تفتتح السورة بإثبات المُلك لله وحده، ثم تُبيّن السبب: أنه خلق الموت والحياة ليختبر الناس ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: 2)، لا أكثرهم عملًا. ويشير التفسير الميسر إلى أن الآية الأولى فيها إثبات صفة اليد لله سبحانه على ما يليق بجلاله، وأن الآية الثانية فيها ترغيب في الطاعات وزجر عن المعاصي، لأن الميزان هو الإحسان في العمل لا كثرته.
بعد ذلك تنتقل السورة إلى السماء نفسها دليلًا: سبع سماوات مبنية طباقًا، ويُدعى القارئ إلى أن يُعيد النظر فيها مرتين فلا يجد فيها خللًا ولا شقًّا. وتصف الآيات نجوم السماء الدنيا زينةً من جهة، ورجومًا للشياطين من جهة أخرى، ثم تنتقل مباشرة إلى وصف جهنم، حيث يسأل خزنتها كل فوج يُلقى فيها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (الملك: 8)، فيعترفون أن النذير قد جاءهم فكذّبوه.
ثم تتوجه السورة إلى القارئ نفسه: فالذين يخشون ربهم بالغيب، أي في خلوتهم دون أن يراهم أحد، لهم مغفرة وأجر كبير، لأن الله يعلم السرّ والجهر سواء. ويبيّن التفسير الميسر أن في الآية إشارة إلى طلب الرزق والسعي في الأرض دون أن يتعارض ذلك مع التوكل على الله، فالأرض ﴿ذَلُولًا﴾، أي مُمهَّدة للسعي عليها، والرجوع في النهاية إليه وحده.
ويُختتم الثلث الأخير من السورة بسلسلة من الأسئلة المتتابعة، كل سؤال منها يقطع طريقًا للهروب: أتأمنون أن يخسف الله بكم الأرض، أو يرسل عليكم حاصبًا كما فعل بمن قبلكم؟ من الذي ينصركم من دون الرحمن؟ ما الذي يُمسك الطير في الهواء غير رحمته؟ وتُختم السورة بسؤالين متتاليين لا جواب لهما إلا الله: من يُجير الكافرين من عذاب أليم إن أهلك الله رسوله ومن معه، ومن يأتي بماء معين إن غار ماء الأرض.
الحديث الوارد في فضلها
ورد في فضل سورة الملك حديث واحد بدرجة حسن، وهو ما رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ ثَلاَثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ وَهِيَ سُورَةُ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» (جامع الترمذي 2891، حسن). وهذا هو الحديث الوحيد الثابت بدرجة يُعتدّ بها في فضل هذه السورة تحديدًا؛ أما الرواية المشهورة بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ السجدة والملك فضعيفة، فلا تُذكر هنا على أنها ثابتة.
لماذا يواظب كثيرون على قراءتها ليلًا
خارج هذا الحديث، يبدو أن مكانة سورة الملك في العادة الليلية عند كثير من القرّاء مردّها أمر عملي أكثر منه نصًّا: فهي سورة قصيرة تُقرأ أو تُستمع في نحو خمس دقائق، وموضوعها استعراض للخلق، وتحذير من الآخرة، وختام بالتوكل على الله، وهذا مضمون يناسب نهاية اليوم. كثير من المستمعين يجعلونها ضمن عادتهم قبل النوم إلى جانب آية الكرسي والسور الثلاث القصيرة، دون أن يجعلوا لذلك أصلًا في حديث غير ثابت. ومن أراد بناء هذه العادة بشكل أعم، ففي مقالنا عن عادة الاستماع اليومي للقرآن نقطة بداية أبسط من سورة كاملة كل ليلة.
نص سورة الملك كاملًا
النص التالي بالرسم الإملائي.
تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴿٢﴾ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ﴿٣﴾
الملك: 1-3ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴿٤﴾ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ﴿٥﴾ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٦﴾
الملك: 4-6إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ ﴿٧﴾ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ۖ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴿٨﴾ قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ ﴿٩﴾
الملك: 7-9وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿١٠﴾ فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿١١﴾ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿١٢﴾
الملك: 10-12وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١٣﴾ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿١٤﴾ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴿١٥﴾
الملك: 13-15أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿١٦﴾ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴿١٧﴾ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ﴿١٨﴾
الملك: 16-18أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ﴿١٩﴾ أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَٰنِ ۚ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ﴿٢٠﴾ أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ۚ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ﴿٢١﴾
الملك: 19-21أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿٢٢﴾ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴿٢٣﴾ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٢٤﴾
الملك: 22-24وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٥﴾ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿٢٦﴾ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ ﴿٢٧﴾
الملك: 25-27قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٢٨﴾ قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿٢٩﴾ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ ﴿٣٠﴾
الملك: 28-30الاستماع إلى سورة الملك
تسجيل مدار القرآن لسورة الملك بصوت ماهر المعيقلي، برواية حفص، مدته 5 دقائق و26 ثانية، وهو طول يناسب الدقائق القليلة قبل النوم أو بعد الصلاة.
أسئلة شائعة
كم عدد آيات سورة الملك؟
ثلاثون آية، وهذا العدد نفسه جزء من الحديث الحسن الوحيد الثابت في فضلها، الذي يصفها بأنها «سورة من القرآن ثلاثون آية» (جامع الترمذي 2891، حسن).
هل سورة الملك مكية أم مدنية؟
مكية، نزلت في مكة قبل الهجرة، وموضوعاتها من خلق وآخرة وتوحيد الربوبية تشبه موضوعات السور المكية عمومًا.
ما معنى اسم سورة الملك؟
المُلك هو السلطان والتصرف الكامل في الكون، والسورة سُمّيت بذلك لأنها تفتتح بإثبات أن هذا المُلك كله بيد الله وحده.
هل هناك حديث صحيح في قراءتها قبل النوم تحديدًا؟
بشكل غير مباشر فقط. الحديث الثابت (الترمذي 2891، حسن) يذكر فضلها العام في الشفاعة، دون ذكر لليل. أما الرواية التي تربطها تحديدًا بالنوم فضعيفة، فلا تُذكر هنا على أنها ثابتة.
ما الموضوع الرئيس لسورة الملك؟
انفراد الله بالمُلك، والدليل عليه في كمال خلق السماوات، ثم مصير من يُكذّب بالآخرة، وختام بأسئلة لا يملك جوابها إلا الله.
المصادر
- التفسير الميسر
- جامع الترمذي 2891، حسن