أنواع القراءات القرآنية للمستمع: الفرق بين حفص وورش وبين المرتَّل والمجوَّد
دليل عملي في أنواع القراءات القرآنية للمستمع: ما الفرق بين رواية حفص ورواية ورش كما تسمعها الأذن، وما الفارق بين الأداء المرتَّل والأداء المجوَّد.
معظم التسجيلات القرآنية المتاحة على الإنترنت مقروءة برواية حفص عن عاصم، وهي واحدة من الروايات المتواترة المعتمدة. وأشهر ما سواها مما تجده مسجّلًا كاملًا: رواية ورش عن نافع السائدة في المغرب العربي وغرب أفريقيا، ورواية قالون عن نافع في ليبيا وتونس، ورواية الدوري عن أبي عمرو في السودان وبعض بلاد غرب أفريقيا. أما حين يقال «أسلوب التلاوة» فالمقصود في الغالب طريقة الأداء لا الرواية: فالتلاوة المرتَّلة متزنة معتدلة السرعة، والمجوَّدة أبطأ وأوسع أداءً وأطول وقفات.
الخلط بين هذين المعنيين هو سبب الحيرة التي يقع فيها كثير من المستمعين. وفيما يلي تفكيك للمسألة كما تسمعها الأذن، لا كما تُدرَّس في كتب التجويد.
ماذا نقصد حين نقول «نوع القراءة»؟
تحت هذا العنوان الواحد ثلاثة أمور مختلفة:
- الرواية: طريق منقول بسنده، يتميز بخصائص في النطق والمدود وبعدد يسير من الفروق في صيغ الكلمات.
- الأداء: مرتَّل أو مجوَّد، أي سرعة القارئ ومقدار ما يستعمله من تنويع في الصوت وطول وقفاته.
- صوت القارئ نفسه: فقد يتفق قارئان في الرواية والأداء ويختلف أثرهما في الأذن اختلافًا بيّنًا.
متى عرفتَ أيّ الثلاثة يقصده السائل، هان الأمر كله.
القراءة والرواية: لماذا يأتي الاسم مزدوجًا؟
اسم مثل «حفص عن عاصم» مركّب لسبب واضح: الثاني إمام القراءة، والأول الراوي الذي نقلها عنه. فحفص تلميذ عاصم، وورش تلميذ نافع، ولذلك يقال «رواية حفص عن عاصم» و«رواية ورش عن نافع».
والقراءات المتواترة عشر، اشتهر منها سبع في اختيار ابن مجاهد في بغداد في القرن الرابع الهجري، ثم استقر أمر العشر فيما بعد، ومن أشهر من حرّرها ابن الجزري. ولكل قراءة راويان مشهوران في الغالب، ولهذا كان عدد الروايات نحو ضعف عدد القراءات. غير أن المسجَّل منها تسجيلًا كاملًا متاحًا للسماع قليل.
والفروق بين هذه الروايات فروق في وجوه الأداء والنطق ضمن نص واحد، وقد تعامل معها أهل العلم على أنها أوجه يكمّل بعضها بعضًا لا أن بعضها يعارض بعضًا.
لماذا انتشرت رواية حفص أكثر من غيرها؟
لسببين عمليّين وقعا في القرن الماضي.
أولهما الطباعة: فمصحف القاهرة الذي طُبع سنة 1924 في عهد الملك فؤاد الأول ضُبط برواية حفص، وصار الأصل الذي نسجت على منواله أكثر المصاحف المطبوعة في العالم.
وثانيهما الإذاعة: فحين بدأت الإذاعة المصرية تسجّل كبار القراء في الخمسينيات والستينيات، خرجت تلك التسجيلات برواية حفص، وسافرت مع الأشرطة إلى كل مكان وصلت إليه.
ولم تصنع القاهرة انتشار حفص من عدم، لكنها جعلته شبه شامل خارج المغرب العربي وغرب أفريقيا.
ما الفرق بين رواية حفص ورواية ورش في السماع؟
إن كنت مستمعًا لا طالب تجويد، فالفروق تظهر لك في أربعة مواضع:
- مقادير المدّ: يطيل ورش مدودًا لا يطيلها حفص، وهذا أكثر ما يعطي تلاوة ورش انسيابها المعروف.
- الهمز: يكثر في ورش تسهيل الهمز ونقله وإبداله، بينما يحققه حفص في تلك المواضع.
- الإمالة: يميل ورش بالألف نحو الياء في كلمات بعينها، ولا يميلها حفص فيها.
- فروق يسيرة في صيغ بعض الكلمات: وأشهرها في أول المصحف، ففي الفاتحة يقرأ حفص ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بإثبات الألف، ويقرأ نافع بروايتَيه ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بحذفها (الفاتحة: 4).
أما الانتشار الجغرافي فرواية ورش هي المقروء بها في المغرب والجزائر وموريتانيا وكثير من غرب أفريقيا. وإذا سبق أن استوقفتك تلاوة بدت لك أليَن وأطول نفَسًا ولم تعرف سببها، فالأرجح أنك سمعت ورشًا لأول مرة.
وأسرع طريق لإدراك الفرق أن تسمع سورة قصيرة واحدة بالروايتين متتاليتين. فالكلام عن الإمالة لا يصنع شيئًا، وعشرون ثانية من الصوت تصنع كل شيء.
روايات أخرى يمكنك سماعها مسجّلة
- قالون عن نافع، وهي الرواية الأخرى عن إمام ورش، ويقرأ بها في ليبيا وتونس.
- الدوري عن أبي عمرو، ويقرأ بها في السودان وبعض بلاد غرب أفريقيا.
- شعبة عن عاصم، وهي قرينة رواية حفص، وتسجيلاتها أقل بكثير.
والمرجع الأول في هذا الباب تسجيلات الشيخ محمود خليل الحصري (1917 إلى 1980)، فقد سجّل المصحف كاملًا برواية حفص سنة 1961، وبرواية ورش سنة 1964، وبروايتَي قالون والدوري سنة 1968، وهو أول من سجّل المصحف المرتَّل وأذاعه. فإن أردت الموازنة بين الروايات مع تثبيت الصوت، فتسجيلاته أنظف طريق إلى ذلك.
المرتَّل والمجوَّد: فرق تلتقطه الأذن في ثوانٍ
المرتَّل تلاوة متزنة السرعة، قليلة التنويع في الصوت، صُنعت لتُتابَع وتُردَّد ويُحفَظ منها، وعليها أكثر تسجيلات المصاحف الكاملة.
المجوَّد أبطأ وأوسع بكثير: يفتح فيه القارئ مساحته الصوتية، ويعيد الآية بطبقات مختلفة، ويطيل السكتات. وهو أوثق ما يكون صلة بمدرسة الإذاعة المصرية، وتسجيلات عبد الباسط عبد الصمد ومحمد صديق المنشاوي المجوَّدة هي الصورة التي تحضر في ذهن أكثر الناس عن التلاوة الكلاسيكية.
والتسمية ليست محدثة، فأصل المرتَّل من الترتيل الذي جاء ذكره في القرآن:
﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ المزمل: 4
لماذا يختلف صوت قارئين يقرآن بالرواية نفسها؟
لثلاثة أسباب في الأغلب:
السرعة وطول الوقفة. فالكلمات نفسها إذا تُليت متمهّلة، وطال السكت في أواخر الآي، وقع في النفس موقعًا آخر. وهذا أكبر فارق بين تسجيل وتسجيل.
مواضع الوقف. فقارئان يقرآن الكلمات نفسها قد يختلفان في مواضع وقفهما ضمن ما يجيزه علم الوقف والابتداء، فيختلف وقع المعنى في الأذن.
النفَس وطبقة الصوت. وشهرة عبد الباسط قائمة إلى حدّ بعيد على طول النفَس وقدرته على حمل آية طويلة في سياق واحد دون انقطاع، وهذه صنعة تُسمَع ولا تُوصَف.
تمرين عملي لتدريب الأذن في أسبوع
- اختر سورة قصيرة تحفظها. النص المألوف يفرغ انتباهك للصوت.
- اسمعها أولًا برواية حفص مرتَّلة بصوت قارئ بطيء الأداء، لتكون لك قاعدة تقيس عليها.
- اسمع السورة نفسها برواية ورش، ولا تحلّل، بل لاحظ ما تغيّر.
- ثم اسمع تلاوة مجوَّدة للمقطع نفسه، وانتبه إلى ما يعيده القارئ وأين يقف.
- بعد ذلك فقط اقرأ في القواعد، فستجد لها في ذهنك ما تتعلق به.
والمقاطع القصيرة تجعل هذا التمرين أيسر بكثير من ملفات السور الكاملة، ولهذا يرتّب مدار القرآن (Quran Orb) التلاوات مقاطعَ قصيرة إلى جانب السور الكاملة، حتى تكون الموازنة بين قارئين على الآيات نفسها مسألة دقيقة واحدة لا رحلة بحث داخل ملف طويل.
وللتوسّع: دليل المستمع إلى أشهر القرّاء يعرّفك بمن تبدأ به ولماذا، والحفظ بالسماع يبيّن لماذا يكون المرتَّل هو الخيار الصحيح إن كنت تحفظ.
أسئلة شائعة
هل إحدى الروايات أصحّ من الأخرى؟ القراءات العشر متواترة في تقرير أهل هذا الفن، والفرق بينها ليس فرق صواب وخطأ. وما يقرأ به الناس في كل بلد يرجع في الغالب إلى ما نشؤوا عليه.
بأي رواية يبدأ المستمع المبتدئ؟ الأيسر عمليًّا أن يبدأ برواية حفص مرتَّلة بصوت قارئ بطيء واضح المخارج، والحصري هو الاسم الذي يُنصح به عادة لأن تمهّله يترك للأذن فسحة تلتقط فيها كل حرف.
هل أستمع إلى رواية وأنا أحفظ بأخرى؟ أكثر الحفّاظ يلزمون رواية واحدة، بل قارئًا واحدًا في الغالب، حتى يثبت المحفوظ، ثم يوسّعون بعد ذلك. والخلط في أول الطريق يُتعب المراجعة أكثر مما يفيدها.
ما المصحف المعلِّم؟ تسجيل تعليمي يقرأ فيه الشيخ المقطع ثم يترك فراغًا ليردّده المستمع. وقد سجّل الحصري مصحفًا معلِّمًا سنة 1968، وسجّل المنشاوي نسخة يردّد فيها طفل خلفه، وما زالت كثير من الأسر تستعملها مع أبنائها.